السعيد شنوقة

405

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

الفاعل غير ثابت فإذا كان الصدق في حد ذاته حسنا فإن قائله لا يصيب دائما كما أن قائل الكذب لا يكون مخطئا دائم « 1 » . وفسر قوله سبحانه : مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الأنعام : 39 ] فرأى أن الإضلال هو الخذلان وتخلية العبد وضلاله ومنعه ألطافه لأنه ليس من أهلها وليس ممن يعلم الله تعالى بأنه يهتدي « 2 » . ولعله يشير هنا إلى أحد أصول المعتزلة التي تنفي عن الله سبحانه خلق الهدى والضلال ، وتراها من جملة مخلوقات العباد ، وبأن العبد هو الموجد لأفعال نفسه « 3 » . وحين فسر قوله عز وجل : إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [ الأنعام : 128 ] : بأن الله تعالى لا يفعل شيئا إلا بموجب الحكمة ، وأن الكفار جديرون بعذاب الأبد « 4 » إنما ينتصر لمذهب المعتزلة في هذه المسألة من خلال نظرية التحسين والتقبيح ، رأوا فيها أن كل ما جاء في القرآن الكريم من تكاليف وشرع تعريف بما ركّزه الله سبحانه في عقول البشر من جبلّة الخلق تحسينا وتقبيحا وتعريضا للثواب على جهة الاستحقاق ؛ فقالوا : إن العقل يوجب معرفة الله تعالى بجميع أحكامه وصفاته قبل ورود الشرع ، وعليه يعلم أنه إن قصّر ولم يعرفه ولم يشكره عاقبه عقوبة دائمة . ومن هنا أثبتوا التخليد واجبا بالعقل « 5 » . ولا شك في أن ما اتفق عليه

--> ( 1 ) انظر زهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 117 . ( 2 ) انظر الكشاف ، ج 2 ، ص 17 . ( 3 ) قال الحسن البصري : يدعى العلم الضروري بأن العبد موجود لأفعال نفسه وحجته في ذلك أوجه : الأول : أن كل عاقل يعلم من نفسه أن وقوع تصرفاته موقوف على دواعيه ، فلو لا هذه الدواعي لما وقع شيء منها . فإذا جاع وكان تناول الطعام ممكنا صدر منه فعل التناول ، ومتى اعتقد سمّا في الطعام عزف عنه . ويعلم من العقلاء . سليمي الأحوال أنه يجب وقوع أفعالهم بحسب دواعيهم . الثاني : يعلم العقلاء حسن ذمّ من أساء إليهم ومدح من أحسن ويعلمون بالضرورة قبح المدح والذم على كونه طويلا أو قصيرا . . . ولولا علمهم يكون العبد محدثا لأفعاله لما علموا بالضرورة حسن مدحه وذمه على أفعاله . . . الثالث : يحب كل منا من غيره ومن نفسه إذا طلب فعلا من غيره أنه يطلبه منه طلب عالم بأنه هو الذي يحدث ذاك الفعل لذا تجده يتلطف في استدعائه لذلك الفعل منه بكل لطف وينهاه فيه عما يكرهه ويعجب منه أو يغضب من فعله . وهذا كله يعلل بأنه فعله . وقد أبطل الرازي هذه الوجوه فرد عليها بأوجه أيضا : انظر الرازي ، القضاء والقدر ، ص 224 - 223 . ( 4 ) انظر الكشاف ، ج 2 ، ص 50 . ( 5 ) انظر الشهرستاني ، الملل والنحل ، تحقيق أمير علي مهنا وعلي حسن فاغور ، ج 1 ، ص 84 .